الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

113

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

نورا على نور ، وهدى على هدى كقلب إبراهيم عليه السلام من قبل أن تجيئه المعرفة ، أي قبل أن يخبره أحد بأن له ربا ، فإنه قال : هذا ربي ، فلما أخبره اللّه بأنه ربه وقال له : أسلم زاد هدى وقال : أسلمت لرب العالمين . نُورٌ عَلى نُورٍ أي نور حاصل بالزيت ، كائن مع نور بالنار في قنديل ، فالزيت نور ، والقنديل نور والمصباح نور فالمشكاة التي هي الطاقة غير النافذة أجمع للنور فيكون فيها أقوى مما لو كانت نافذة ، فإن المصباح إذا كان في مكان متضايق كان أضوأ وأجمع لنوره بخلاف المكان المتسع ، فإن الضوء ينتشر فيه ، فالقنديل أعون على زيادة الإنارة ، وكذلك ضوء الزيت . والمعنى : ذلك القرآن نور عظيم كائن على نور عظيم متضاعف من غير تحديد كتضاعف نور المشكاة بما ذكر يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ أي يهدي اللّه لنوره المتضاعف ، وهو القرآن من يشاء هدايته من عباده هداية موصلة إلى المطلوب ، بأن يوفقهم لفهم ما فيه من دلائل حقيقته من الأخبار عن الغيب ، وغير ذلك من موجبات الإيمان . فاللّه تعالى بين الدلائل حتى بلغت في الوضوح إلى الحد الذي لا يمكن الزيادة عليه . فوضوح الدلائل لا ينفع ما لم يخلق اللّه الإيمان والعلم . وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ كافة تقريبا للمعقول من المحسوس . وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 35 ) معقولا كان أو محسوسا ظاهرا كان أو خفيا . فِي بُيُوتٍ صفة ل « مشكاة » ، أي كمشكاة فيها مصباح في بيت من بيوت اللّه ، أو صفة لزجاجة . والمعنى : ذلك القنديل معلق في مساجد أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ أي أمر اللّه أن نبنى رفيعة وتطهر عن الأنجاس والأقذار ، وقد كره بعض العلماء تعليم الصبيان في المساجد ورأى أنه من باب البيع ، وهذا إذا كان بأجرة ، فلو كان بغير أجرة لمنع أيضا من وجه آخر وهو أن الصبيان لا يتحرزون عن الأقذار والأوساخ فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد ، وقد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بتنظيفها وتطييبها فقال : « جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ، وجمروها في الجمع ، واجعلوا لها على أبوابها المطاهر » « 1 » . وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ بجميع أذكاره تعالى . وقال ابن عباس : يتلى في المساجد كتابه تعالى يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 36 ) رِجالٌ . وقرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم بالبناء للمفعول ونائب الفاعل لفظ له ، و « رجال » فاعل لفعل مقدر ، أو خبر مبتدأ محذوف أي يسبح له رجال أو المسبح رجال ، والوقف على الآصال حسن . والباقون بالبناء للفاعل و « رجال » فاعل ولا يوقف على « الآصال » لعدم تمام الكلام والصلاة التي تؤدي في الغداة صلاة الصبح ، وفي العشي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء . وقرئ و « الإيصال » أي الدخول في الأصيل لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ أي لا يشغلهم نوع من أنواع التجارة ولا فرد من أفراد البياعات عن حضور المساجد لطاعة اللّه ،

--> ( 1 ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ( 8 : 214 ) .